وادي الغيلان
في كل مرة كان يسمع تهامس اصدقائه حول ذلك المكان المجهول ، وكلما هموا ببوح خبايا صدورهم الصدئة لبعضهم البعض حاول التنصت.. فشغف الفضول كاد يمزقه الى أن سمع تفاصيل الأمر ….وذلك بعدما ألصق أذنه كبزاقة على جدار إحدى الغرف حيث كانوا يجتمعون … أراد بعد ذلك بحرقة ورغبة آثمة أن يذهب إلى ذلك المكان وتطرب عيناه مما سمعت أذناه ….
ذهب هناك إلى وادي الغيلان … وادٍ سحيق تحده الجبال الشاهقة فيه وفرة من المياه وخلوة تعمى عنها الابصار .
ظل يسير هائما منكبا على وجهه يبغي أن يرى ما سمع فان واجهته الجبال تسلقها وبهمة عالية لا تضاهيها همة وإن إعترض سبيله مياه سبح كمحترف وأسرع … وظل هكذا قرابة الخمس ساعات الى أن سمع دقات طبل فاهتز فؤاده وبدت تقاسيم الفرحة على محياه أسرع الخطى ، وقع أرضا ً… فأخذ يحبو على ركبتيه حتى لا يفوته شيء احتاج أن يرفع هامته قليلا ثم نهض على عجالة وهدأت روحه المستعرة بعدما استقرت عيناه على ما شغفت إلى رؤيته…
كن فتيات حسناوات نضرات الوجه في عتمة الليل شعرهم ضفائر ذهبية معلقة يتمايلن ويرقصن على لحن عود تعزفه إحداهن وطبل تضربه أخرى وغناء رقيق عذب تغنيه باقي الحسناوات مجتمعات جعل يطيل النظر ويحملق في كل واحدة على حدة ، قضى ساعات طوال وهو مختبىء أراد أن يقترب ولكنه تذكر حديث أصدقائه أنه ما أن يشعرن بوجوده يختفين ولا يعدن يظهرن له فتمالك نفسه وأشبع عينيه منهن وعاد أدراجه قبيل الفجر .
عاد إلى عمله كالمعتاد لكنه ظل مأسورا ً لتلك الخيالات التي رآها وما استطاع أن يعود لطبيعته فقد استولى جمالهن على تفكيره لاحظ من حوله ذهوله وشحوب لونه سألوه ..
لم يجب .. وعاد إلى صمته ، ظلت تلك المشاهد تعصف فكره فما استطاع السيطرة على نفسه .. غادر المكان وانتظر حتى مغيب الشمس ليراهن مرة أخرى.
ذهب وظل يرقب خفية دون احداث جلبة فأخذ يمتع عينيه ويؤلم قلبه ويضعف جسده وظل على تلك الحال فترة طويلة.
لاحظ من حوله تغير في شكله فقد أصبح شكله بشع قبيح وليس هذا فحسب … أصبحت تصدر منه رائحة نتنة ، مزاجه سيء ، يثور كبركان لأبسط الأمور ،كان يخلو بنفسه كثيرا يتأفف من حياته وممن حوله ،حاد الطباع ، يكره من حوله ، صباحه معكر متشح بالسواد يمضي يومه كسجين ينتظر الإفراج في المساء .. فأضحى كمن انقطع الهواء عن رئتيه ولا يتنفس إلا في ذلك الوادي.
في احدى الليالي مكث طويلا ً في الوادي يرقبهن … آلمته رقبته حركها يمنة ويسرة وأثناء ذلك وجد عددا ًمن الغيلان تلف المكان ارتعب منهم فركض هاربا ً مبتعدا ً عنهم أراد أن يقطع النهر مبتعداً ولكن صورة ارتسمت على النهر جعلته يعود أدراجه دقق فيها وإذ بها خيال لصورته .. اقشعر بدنه بدأ يتحسس وجهه وجسده .. ثم صرخ بأعلى صوته لقد أصبحت غولا ً….
هو واد آثم يجلب على مرتاديه لعنة لا تفارقهم تحولهم الى غيلان فما أن يصبحوا كذلك لا يستطيعون مغادرته لقبح جلي يثير المخاوف فيقبعون في ذلك الوادي خوفا من أن يرجمهم الناس ويقتلوهم فيظلون حبيسي الوادي ويصبحون فيما بعد حراسه .
فأمسوا حبيسي شهواتهم ولخيالات تراءت لهم في عتمة زينتها لهم نفوسهم المريضة .
حاله حال الكثيرين ممن اعتادوا الانصياع للوثة النفس وجبلها على المعاصي والملذات
رآه احدهم فيما بعد وقد خرج من هذا الوادي… ولكنه بعد فترة وجيزة شوهد في وادي آخر